أحمد زكي صفوت
179
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
خطب أبى بكر الصديق ووصاياه رضى اللّه عنه 35 - خطبته يوم قبض الرسول صلى اللّه عليه وسلم دخل أبو بكر الصديق رضوان اللّه عليه ، على النبي عليه الصلاة والسلام وهو مسجّى « 1 » بثوب ، فكشف عنه الثوب ، وقال : « بأبى أنت وأمي ! طبت حيّا ، وطبت ميتا ! وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوّة ، فعظمت عن الصفة ، وجللت عن البكاء ، وخصصت حتى صرت مسلاة « 2 » ، وعممت حتى صرنا فيك سواء « 3 » ، ولولا أن موتك كان اختيارا منك « 4 » ، لجدنا لموتك بالنفوس ، ولولا أنك نهيت عن البكاء ، لأنفدنا عليك ماء الشّئون « 5 » ، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا ، فكمد وإدناف « 6 » ، يتخالفان ولا يبرحان
--> ( 1 ) تسجية الميت : تغطيته . ( 2 ) خص الشئ من باب قعد خصوصا فهو خاص : خلاف عم ، مثل اختص ( وكلا الفعلين يستعمل متعديا ولازما ) ، والمعنى إنك يا رسول اللّه قد صرت بموتك مسلاة للناس فإنك مع ما اختصصت به من مناقب النبوة قد نزل بك الموت ، فللعباد فيك أسوة حسنة . ( 3 ) أي عمت مصيبتك جميع المسلمين فصرنا نحن وقرابتك سواء في الحزن عليك والتفجع لفقدك . ( 4 ) يشير إلى قوله عليه الصلاة والسلام : « لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير » قالت عائشة : فسمعته وقد شخص بصره ؛ وهو يقول : « في الرفيق الأعلى » فعلمت أنه خير ، فعلمت أنه لا يختارنا إذن ، وقلت هو الذي كان يحدثنا وهو صحيح . ( 5 ) جمع شأن ، وهو مجرى الدمع إلى العين . ( 6 ) دنف المريض كفرح ، وأدنف : ثقل ، والشمس : دنت للغروب واصفرت .